** زيتونة **
كلّ مساء جديد أجلس أمام المنزل أترشّف قهوتي المرّة الشّهيّة.. أستمتع بنسيمات الهواء الباردة المنعشة و أسرّح بصري في الفضاء الرّحب.. تستيقظ في داخلي أفكار شتّى.. تتسلّل إلى خاطري بعض الذّكريات العتيقة ذكريات الطّفولة و الحبّ و الشّعر و الكتابة.. هنالك بعيدا في السّماء القاتمة تلوح بعض النّجوم المتناثرة متلألئة تتحدّى سطوة اللّيل و لا تخشى وحشته.
و هنا أمامي تنتصب في الحديقة المتواضعة شجرة الزّيتون المكتنزة.. تلك الشّجرة الّتي عهدتها في سنوات الصّبا طفلة صغيرة خجولة.. و اليوم أمست زيتونة فتيّة فاتنة ناضجة تترامى أغصانها المتفرّعة هنا و هناك و تتعالى أفنانها الغضّة نحو السّماء كأنامل تشهد بوحدانيّة الله.. و أحيانا تتمايل يمنة و يسرة كأنّها تغار منّي فتذكّرني بأنّها كائن حيّ قادر على الحركة مثلي.
و بمرور الزّمن صارت تلك الزّيتونة فردا من أفراد الأسرة.. جزءا منّي.. شيئا مقدّسا.. أصافحها كلّ صباح.. أسلّم عليها.. أنظر إليها.. تنظر إليّ.. أخاطبها.. تخاطبني.. تسرد لي ذكرياتي الّتي لا أذكرها أو الّتي لا أريد أن أذكرها.. و شيئا فشيئا اكتشفت أنّها تحذق الكلام و الصّمت و الغناء و التّسبيح و السّرور و الحزن و حتّى الغضب و الرّضى.. أحملق فيها مليّا.. أشاكسها بنظراتي.. أتفرّس في ساقها الصّلبة.. فروعها المتجدّدة.. أوراقها الخضراء الفستقيّة.
هكذا أدركت أنّ هذه الشّجرة ليست زيتونة و كفى.. إنّما هي تلك الحوريّة الّتي ما فتئت تزورني ليلا في منامي.. إنّها عروس البحر الّتي طالما قرأت عنها في قصص الأطفال.. لاأدري من قال لي مرّة إنّ الزّيتون لا يموت.. لذلك ستروي زيتونتي حتما لمن يأتي بعدي ما عاشته معي بعد زمن مديد في ليل رقادي الطّويل.
*** محمّد الزّواري ـ صفاقس ـ تونس ***
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق