ليلة سوداء :
ليلة من ليالي الشتاء القارس والريح المحملة برطوبة الأمطار تعصر النفوس وتفرض على البشر قانونها الذي لا يقاوم . إلا باللباس الصوفي والمدافىء الثكلى بالأخشاب وروث الحيوانات .والغيوم التي تتنقل بكافة الاتجاهات أشبه بمعركة جوية أوجدها الخالق ،وحفيف الأشجار يضفي طابع الحركة والنشاط ،والمدرسة الإسمنتية القابعة على مسافة متوسطة بين القرى المتناثرة أشبه بترسانة على الخطوط الأمامية ؟سعيد لم يحلم يوما بأنه سيصبح حارسا في هذه المدرسه لقد أضناه الجوع وطرق جميع الأبواب عله يلاقي عملا يسد به ارق الحياة فقد أتعبته السنون بحثا عن لقمة العيش .فكم من مرة احتار كيف يؤمن طلبات زوجته التي لاتنتهي وكم من مرة أراد أن يشتري مرة واحده في حياته فستان لابنته الوحيدة .لقد كان لباسها ولباس زوجته من صدقات المحسنين من الثياب المهترئة.او تلك التي تجاوزت الموظه ونوعية القماش .لقد كان سعيدا جدا بهذه الوظيفة بعد أن باع بقرته الوحيدة ليدفع ثمنها للسماسرة والوسطاء لتامين وظيفة لائقة يكسب بها مال يؤمن مستقبله انه اليوم الأول الذي يبات فيه في غرفة أسمنتية من غرف المدرسة مع زوجته وابنته الوحيدة .الفرحة تعم الجميع والمدفأة تملئ الغرفة بحرارة لم ينعم بها طيلة حياته .استلقى سعيد على ظهره بجانب المدفأة وراح يبني خيال اثر خيال .فمرة يفكر أن يشتري لباسا لزوجته من مرتبه الأول ومرة يؤجل ذلك ويفكر في إيفاء الديون المتراكمة عليه .ويشرد أحيانا ليتصور نفسه وهو يقبض أول مرتب والأوراق المالية بين يديه وأحيانا يرى نفسه وقد سدد جميع الديون واشترى ملابس لائقة للجميع وحتى فكر أن يشتري آلة تسجيل وتلفزيون بالتقسيط ***وخلال أحلامه التي لا تنتهي 0قطعت الكهرباء عن المدرسة ،وساد سكون عميق لفترة وجيزه لا يقطعه إلا حفيف الأشجار وعواء الكلاب .
،ومواء قطته التي رباها فهي من ضمن العائلة المتواضعه .مرت لحظات سمع صوت شخير وحشرجة قادمة من الصالون الطويل بل ووقع اقدام وحركة غير عادية ،همست المراءة لزوجها هل سمعت ما اسمع فقال لها زوجها بصوت خافت نعم .قالت: إلا تنظر من بالصالون قال: دعين انصت جيدا .فتعالت الطرقات كأنها أصوات أخشاب تتكسر .فهمست المراءة ثانية .هل أحد يكسر الطاولات فقال زوجها لا.لا.. فوقف سعيد واقترب من النافذة وازداد الرعب في قلبه وهو لا يملك حتى سكين يدافع بها عن بيته .فامسك طرفي النافذة وبدا ينظر من خلال الزجاج المتسخ عله يبصر ما يهدأ روعه لكنه لم يشاهد شيئا .الاصوات انقطعت وساد الصمت .وما هي الا دقائق حتى أنارت الكهرباء الغرفة فقرر سعيد ان يخرج ليرى ما الذي حصل لكن أمراء ته أدخلت الخوف إلى قلبه حين ذكرته انه في العام الماضي قد قتل رجل بجانب سور المدرسة ولا أحد يعرف من هو وما هي قصته ؟ فنهض وتقدم بخطى حذره تجاه الباب وقطته تموء خلفه .ففتح الباب و ألقى نظرة سريعة على الصالون المعتم قليلا فلم يلفت نظره شيئا وعبثا خرج إلى الصالون الطويل وهو يردد أغنية لطرد الخوف المسيطر على أعصابه ،وخرجت القطة تموء معه ،وزوجته إلى جانبها طفلته ابنة الربيع الرابع تلاعبها بهدوء غير معتاد ،ثم عاد سعيد دون أن يثير انتباهه شيئا .وجلس مسندا ظهره للحائط وبعد فترة ليست بالطويلة دفعت القطة الباب وهي تموء . فما كان من المرأة الا أن أبصرت دماء على الأرض اثر أقدام القطة على الأرض المفروشة بالرخام .وهمست لزوجها باستغراب يشوبه الخوف والفزع وكانت تشير إلى أقدام القطة الملوثة بالدماء ،فارتعد سعيد فنهض واقفا مذعورا ؟ ما هذا يا الهي ؟ من قتل وصار يقرن ما بين الأصوات التي سمعها وما بين الدماء التي يشاهدها ؟ عليه أن يتتبع أثار أقدام القطة عله يهتدي لشيء ما لكن زوجته منعته من الخروج .خوفا عليه من أن يكون الآخر ضحية ،واخيرا بعد ملاسنة ما بينه وبين زوجته قرر أن يخرج فخرج متتبعا الدماء التي طبعتها أقدام القطة والتي قادته إلى آخر غرفة فوجد إن الباب موصد واثر الأقدام من هذه الغرفة . حاول أن يدفع الباب لكن الجرأة خانته تراجع إلى الخلف ونور الغرفة المراد فتحها مطفئ ....ثم كلم نفسه ألم تدخل القطة هنا وهل القطة أشجع مني ؟ فدفع الباب بحركة سريعة . فما كان إلا من زوجته أن لحقت به وطفلتها تركض وراءها . لم يسمع شيئا ولم ير شيئا عليه أن يضغط زر الكهرباء ليتمكن من إلقاء النظرة الأخيرة التي يطمئن بها على المشهد فمد يده على زر الكهرباء وجسده في الصالون ممطوط ....لم تلحق يده الزر .عليه أن يدخل ولو رجل واحده إلى داخل الغرفة حتى يصل إلى مفتاح الكهرباء لقد كان قصيرا وزاد من قصره كرشه المتدلية وشفتاه المكتنزتان وشاربه المصفر اللون من اثار لفائف التبغ الرخيص . وقد رسم الدهر في وجنتيه أخاديد تحكي قصة الفقراء والمحرومين ؟ ومقلتاه الغائرتان بين التجاعيد تحملان البؤس والشقاء . لقد كان اعرجا منذ الطفولة عندما أصيبت رجله بكسر أهمل علاجه ؟ و أنار النور والباب اقل من نصفه مفتوح وقبل ان يهم بالدخول جذبته للخلف خوفا من خطر يداهمه فأزاحته للخلف لكنه لمح دماء تملئ أرضية الصف بل هي غرفة المخبر ....المملوءة بالطيور المحنطة والتماثيل المجسمة ....واجبرته زوجته بالرجوع إلى الغرفة المخصصةلهم .
فدخلا واغلقا الباب بحكام بعد أن تركا غرفة المخبر مفتوحة ؟ وصار يهمسان لبعضهما بصوت خافت ؟ ماذا تكون هذه الدماء التي تغطي سطح الأرض ... وصاركل منهما يبدي وجهة نظره للآخر حول ما يتوقعه والخوف من المجهول يكاد أن يقطع أنفاسهما .؟ بدأت الزوجة ترتجف واصفر لونها وبدأت يداها ترتجفان وصوتها يكاد أن ينقطع وأخذت تتمتم ..فالتصورات التي أبدها جعلتها اكثر رعبا من المشهد الذي شاهدوه .يتفقدا الطفلة الصغيرة انها خرجت أثناء خروجهما لمعرفة ما يدور داخل المدرسة ...فاخذ كل منهما يلوم الآخر حولضياع الطفلة واخيرا قررا أن يخرجا ليبحثا عنها داخل الصفوف المفتوحة أو داخل الصالون 0واخذ الأب ينادي بصوت خافت فاطمة .فاطمة..وصارا يتنقلان من غرفة إلى أخرى معا أحدهما يدفع الآخر للبحث عن الطفلة فاطمة .وفاطمة صغيرة الحجم ابنة الربيع الرابع تحمل من أمها الوجنتان المتوردتان والرموش المزدوجه والشفاة الرقيقة ومن أبيها شكل الجسم فهي أشبه بأرنبة صغيرة .كثيرة الحركة لاتعرف مكان للخوف مثلها مثل الكثيرين من أطفال القرى . لقد أعياه التعب والقلق والخوف البحث عن الطفلة فلم يبق مكان للبحث في الغرف المرتصفة على الممر إلا وفتشاها بحذر . باستثناء المخبر المشؤوم .فلم يجرا أحد من الزوجين على الاقتراب منه .....فهمس أحدهما للآخر بان يدخلا إلى الغرفة وكل منهما يدفع الآخر ليدخل أولا ....النور مضاء داخل المخبر والباب موصد لكن ليس كاملا ..حاول الزوج إن يتلصص من الفتحه عسى أن يجد ابنته لكن لم تقع عيناه إلا على الدماء التي تغطي الأرض .فتهامس الزوجان ماذا يفعلان .فقرر الزوج أن يخرج إلى قريته المجاورة عل أحدا يساعده للبحث عن طفلته فاطمة لكن زوجته منعته فإما أن تغادر معه .او لا يذهب فيتركها وحيدة تتخبط برعب لم تشاهده طيلة حياتها ؟ قد يقتلها الخوف والوحده قد يقتلها المجهول ....واخيرا بعد عراك وجدل بين الزوجين قررا أن يذهبا إلى القرية ليستنجدا بأهلها ...غادرا المدرسة بعد أن فقدا ابنتهما الوحيده ....كان الظلام قد أرخى سدوله بليل حالك ورياح هوجاء تطلق صفيرا حادا يرعب المجانين ؟ ولفحات عشوائية من رذاذ المطر تدمي الأنوف وعواء ذئاب ونباح كلاب وزقزقة عصافير لم تهجع بليل عاصف والطريق الموحلة الزلقة الملتوية بين الوديان توحي بالكابة وغدران المياه على ضفتي الطريق يتخبط بها حتى المبصرين ؟ والزوج يحدث نفسه في حيرة من أمره أين ذهبت فاطمة ؟ هل خطفت ؟ هل قتلت ؟ وجال في خاطره كيف عانى من اجل وظيفة حارس فلم يترك واسطة أو معرفة إلا
وطرقها ولا نافذة ولا مسؤول صغير أو كبير إلا وطرق بابه وها قد استجاب القدر بعد أن باع أغلي ما يملك بقرته راس ماله الوحيد وهذه أول ليلة لم يسعد بها إلا لاقل من ساعة أطلقها لخياله وها هو اليوم يعود لمأساة جديدة من نوع جديد وتمنى لو لم يقبل كحارس ولعن تلك الساعة التي أوصلته لهذا الطريق ،وها هو يتخبط برجله العرجاء بين الوحول والغدران مع زوجته فاقدا الأمل فاقد روحه المتعلقة بطفلته التي لم يرزق بغيرها ..وزوجته الى جانبه تحثه على الاسراع وصراخها الخافت يدمي القلوب ..وبين هرولة وبين مشيا حثيث تزلق رجل الزوجه على الطريق الزلقة فيعفر وجهها وثيابها بالطين فتنهض لكنا بدات تعرج لقد نال الطريق منها وسار الاعرجان لكن الطريق قد سدت بوحش انه قريب وعلى مسافة ليست بالبعيده انه ضخم اسود اللون كلون الليل البهيم فهمس الزوج لزوجته انه ضبع مؤكد ضبع علينا ان نرجع .....فاستجابت المرأة لما يطلبه زوجها من حل منطقي فهم لايملكان حتى عصا بايديهم وحالهما لاتقبل ان يقاوما حتى فارة .فقرر العوده ووصلا الى المدرسة وتدافعا نحو الباب كل منهما يدفع الاخر للدخول اولا ؟ فدخلا سويا وابصرا فاطمة على باب المخبر وبيدها انابيب زجاجية وقارورة مخبر ووجها ملوثا بدماء حمراء .
اقترب الاب من فاطمة ودقق جيدا فوجد ما موجود على وجه فاطمة ما هو الا مربى البندوره .ثم تجرا على فتح الباب فلم يجد سوى زجاجة كبيرة من مربى البندورة قد كسرت وساح ماءها على ارضية المخبر .وهناك معالق وطناجر تستخدم لتعليم الطهي للفتيات من ضمن البرامج الدرسيه المقررة . للمرحلة الاعداديه .فلم يكن هناك ما يدعو للخطر .
فابتسمت الام وقهقه الزوج
يا لها من ليلة سوداء
انتهت
بقلم : عبد المجيد الجاسم/ابو حيدر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق