ملتقى النور للادب و الشعر

ملتقى النور للادب و الشعر
مدير عام المجلة

الخميس، 18 يونيو 2020

قصة قصيرة.... الطريق :::د. عزالدين حسين أبو صفية

قصة قصيرة.... 
الطريق :::

تعوَد جمال على ممارسة رياضة المشي ليظل محافظاً على نضارة ورشاقة جسمه، وكان يمارس هذه الرياضة بعد أن ينتهي من عمله اليومي كمهندس معماري في أحد شركات البناء، كان نشيطاً ومبدعاً في عمله مما اكسبه حب المسؤولين ، وكان على خُلق وانسانية فياضة مما اكسبه حب جميع العاملين في الشركة وخاصة العمال البسطاء ذوي الأجور المتدنية وكان مغرماً في مساعدتهم في كل أمورهم الحياتية ولا يبخل على أي أحدٍ منهم عندما يُطلب منه مساعدة مالية.
في ذاك اليوم قرر جمال السير وممارسة رياضة المشي في طريق مغاير عن الذي تعود السير فيه وكان أكثر ازدحاما بالناس فما أن بدأ السير في هذا الطريق بدأت التحيات والسلامات تُطرح عليه من الكثير من الناس الذين بعضهم يعرفونه والآخرين من غير المعروفين اليه وكان جمال يبادلهم التحية باحترام والبعض الآخر كانوا يصرون على مصافحته والبعض الآخر يستوقفونه ليسألونه ويستفسرون منه عن مباني وبيوت أشرف جمال على انشائها لهم .
استوقفته متسولة في العقد الثالث  من العمر تطلب مساعدة، ومن باب الفضول استفسر منها عن أحوالها المعيشة وعن أسرتها وعن أسباب لجوئها للتسول وإن كانت متزوجة أم لا وهي فاتنة الجمال، أخبرته بأن زوجها توفاه الله منذ سنوات وأن لديها خمسة من الأطفال ليس لديهم معيل إلا الله، فقدم لها ما قدره الله.
واصل جمال سيره في ذات الطريق ومر ببائع ذرة يقوم بشوائها على النار التي يشعلها ببعض أعواد الحطب فتوسل اليه أن يشتري منه لأنه منذ الصباح لم يتمكن من بيع شيء فاشترى منه ثم واصل سيره وهو يحاول أن يكمل رياضته المفضلة فمع كل مئة متر يسيرها جمال يمر به عدد من الأطفال البنات والأولاد يتسلون ويتشاجرون حول ما يُحصلونه من نقود أثناء تسولهم . 
قرر جمال أن ينهي سيره ويعود ادراجه إلى المنزل وأثناء عودته على نفس الطريق ادهشه تجمع أولئك الصبية المتسولون يلتفون حول تلك العجوز في العقد السادس من العمر، فوقف يتأمل المشهد ويستفسر عن سبب تجمع الصبية حول المرأة العجوز فأخبره بعضهم بأنهم يعملون معها كمتسولين وتقوم بمنحهم الأجرة بعد أن يقوموا جميعا بتسليمها النقود التي يجمعونها بالتسول، أصابت جمال الدهشة عندما أخبره أحد الصبية بأن تلك المرأة لا تمت لهم بصلة قرابة.
واصل جمال السير نحو منزله وإذ بالمرأة الجميلة التي استوقفته وأخبرته عن حالها وأبنائها الأطفال الأيتام تتشاجر مع رجل يوبخها ويحاول ضربها وهو يكيل لها الشتائم، فاندفع جمال من باب الشفقة والتضامن معها ليمنع ذاك الرجل من اهانتها وهو بالقوة يجردها من ما جمعته من نقود التسول فوجه له الرجل لكمة عنيفة طالت إحدى عينيه وهو يشتمه ويطلب منه عدم التدخل بينه وبين زوجته فهذه مشكلة عائلية.
ضحك جمال وهو يعاني من ألم اللكمة التي تلقاها من زوج المتسولة، وتنحى جانبا والدهشة لم تفارق وجهه وواصل السير، وإذ بأحد السائقين يصدم طفلاً أثناء قيادته سيارته بسرعة ولم يتوقف لإنقاذ الطفل فاندفع نحو الطفل لمساعدته وتفحص إصابته ثم استوقف سيارة ليأخذه للمستشفى لتطبيبه وعلاجه، سأله كاتب الاستقبال في المستشفى عن اسم الطفل فأخبره بأنه لم يعرفه فقد وجده بعد أن صدمته سيارة، فطالبه كاتب الاستقبال ببطاقته الشخصية لتسجيل الحالة الصحية للطفل المصاب.
حضرت الشرطة بعد استدعائها من قبل إدارة المستشفى وقامت باعتقال جمال كمتهم بصدم الطفل والتسبب له بكسور عديدة في جسمه، أنكر جمال ادعاء الشرطة وما ذُكر في التقرير الطبي الصادر عن المستشفى، وفشل في إقناعهم بذلك.
في صباح اليوم التالي لم يذهب جمال لعمله في الشركة بسبب احتجازه من قبل الشرطة التي استدعت رئيس الشركة التي يعمل بها للاستفسار منه عن المهندس جمال، فحضر على الفور، وبعد سيل من الأسئلة التي وجهها له ضابط الشرطة واخباره عن التهمة الموجهة للمهندس جمال بصدمه بسيارته ذاك الطفل والتسبب له بكسور عديدة في جسمه .
ضحك مدير الشركة، وأخذ بصوت مرتفع يردد، يا حضرة الضابط، المهندس جمال ما بيعرف يقود سيارة ، وليس لديه رخصة قيادة ولا يمتلك سيارة وهو غير متزوج وليس لديه أبناء.
أَفرجت الشرطة عن جمال، وعاد إلى منزله ، وقرر التخلي عن رياضة المشي ، ولم يعد يسير في ذاك الطريق ولم يلتفت لأحدٍ من المارة . 

د. عزالدين حسين أبو صفية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق