سرديات قصيرة 8
الحكمة الإلهية
بقلم
أحمد عبد اللطيف النجار
كاتب عربي
للخالق جل في عُلاه حكمة ومشيئة في كل شئ ، وعلى المخلوق أن يمتثل لمشيئة رب العباد في كل ما يقابله في حياته ، والصبر على الشدائد ، والابتلاء إنما هو ترجمة عملية لقوة إيمان العبد ويقينه في رحمة الله .
صاحبي محسن يعمل كيميائي وهو من عباد الله الذين تعرضوا للابتلاء والمحنة القاسية ، ولأترك صاحبي يقص علينا محنته بنفسه ، يقول محسن : أعمل كيميائياً بإحدى الوزارات ومتزوج بحمد الله وعندي من الذريّة البنين والبنات ، منذ فترة ليست بعيدة دخلت المستشفى لإجراء جراحة صعبة في العمود الفقري، وتمت الجراحة بنجاح بفضل الله في إحدى مستشفيات مدينة طنطا ، وأثناء فترة النقاهة وخلال قراءتي لإحدى الصحف اليومية لفت انتباهي حادثة بشعة تعّرضت لها فتاة في ريعان الشباب تّدعى أميرة حيث فقدت ساقاً وذراعاً كاملة وكف الذراع الأخرى في حادثة قطار ، وبالطبع تم نقل أميرة إلى مستشفى حكومي بمدينة القاهرة لإنقاذها !
ساعتها تأثرت كثيراً بما حدث للفتاة المسكينة واتصلت بإدارة الجريدة للتأكد من اسم المستشفي الذي نُقلت إليه وانفعلت جداً بمأساتها وقررت في نفسي أنه عند خروجي من المستشفى وعودتي إلي بلدتي
في طنطا سوف أذهب إلى أميرة لأزورها في المستشفى لأخفف عنها آلامها كما خفف عني الأحباب والأصدقاء عني في مرضي ، وأفضت برغبتي لزوجتي الوفية التي تلازمني في المستشفي ووافقتني عليها ... جاء يوم خروجي من المستشفى وجاءت عربة الإسعاف لتنقلني واستلقيت علي السرير الموجود بالعربة وبدأنا الرحلة ومعي داخل عربة الإسعاف بعض المرافقين ... اقتربت السيارة من مدينة القاهرة ، فسمعت همهمة من المرافقين فهمت منها أنهم لا يريدون دخول المدينة خوفاً على ظهري من مطبات الشوارع الداخلية ومشقة مغادرة السيارة وصعود سلم المستشفى ، فأكدت لهم تصميمي على القيام بالزيارة .
وصلت السيارة مدينة القاهرة وفوجئنا بالطريق إلي المستشفى شبه مغلق بسبب الزحام الشديد وعربات الباعة الجائلين ، فحاول المرافقين معي مرة أخري إثنائي عن إتمام المشوار إشفاقاً على حالتي الصحية ، فصممت من جديد علي رغبتي حتى ولو أدى الأمر لنزولي من السيارة والذهاب للمستشفي سائراً على قدمي بالرغم من أنني لا أقوى علي المشي ، واستسلم المرافقين في النهاية لما أردت ، فأطلق سائق سيارة الإسعاف صفارتها ليفسح له الباعة والمارة ثغرة في الزحام يمر منها ، وصلنا للمستشفى ونزلت من سريري متكئاً على كتف أحد المرافقين وقابلت طبيب شاب ثم قابلت أميرة الباسمة ورأيت فيها الصبر والأمل في رحمة الله ... قضيت معها بعض الوقت أشد من أذرها وأخفف عنها بعض آلامها ثم ودعتها وعدت إلى سريري بعربة الإسعاف مصحوباً بالدعوات الطيبة وأشعر براحة نفسية كبيرة وسعادة غامرة ... واصلت سيارة الإسعاف طريقها إلى طنطا حتى بلغت منزلي حيث ينتظرني أبنائي الذين تركتهم أكثر من شهر في رعاية خالتهم الكريمة ، فما أن دخلت البيت حتى عرفت سبب تصميمي الداخلي على زيارة أميرة في مستشفاها بالقاهرة رغم حالتي الصحية ، وفهمت أيضاً سر رحمة ربي بي وحكمته ولطفه ، فلقد اندفع أبنائي نحوي فإذا
بي أجد ابني الأكبر الذي يبلغ من العمر عشرين عاماً والطالب بالجامعة والابن الوحيد لي على بنات ، أجده مبتور الساق اليمنى فاحتضنته وفقدت الوعي لفترة لا أعرف مداها !
وحين أفقت عرفت ما أخفاه عني الجميع طوال إقامتي بالمستشفى، لقد صمم ابني في اليوم التالي لإجراء الجراحة لي على أن يسافر وحده لطنطا كي يزورني ويطمئن عليّ ، وعندما همّ بركوب القطار انزلقت قدمه فسقط تحت عجلات القطار ، وشاءت إرادة الله أن يسقط جسمه بعيداً عن العجلات فلم يدهم القطار إلا ساقه اليمنى فقط وحمله أهل الخير إلى المستشفى حيث تم بترها ، ثم غادر المستشفي يمشي على عكازين ، وتعّجبت لمفارقات الحياة التي لا تفسير لها إلا أنها مشيئة الله ، ففي الوقت الذي كنت أسعى فيه لزيارة أميرة على غير معرفة بيننا سوى الرابطة الإنسانية بين كل البشر لأشاركها مشاعرها وآلامها ومحنتها ، لم أكن ادري شيئاً عن ابتلائي الخاص الذي ينتظرني في بيتي !
لقد تجمع أهل الخير جزاهم الله خيراً حول ابني يحيطون به ليل نهار ، يخففون عنه آلامه ويعوّضونه غياب الأب في جراحه ومرضه وغياب الأم المرافقة لزوجها ... كانوا جميعاً حريصين على ألا اعلم بما جرى به القضاء على ابني الوحيد .
والله يا صاحبي لقد أفقت من إغمائي فتولاني الجزع والقلق واستسلمت للأحزان والهواجس ... يا إلهي !
.. ابني الوحيد مبتور الساق ، كيف سيتحمل حياته ؟ ماذا سيصنع بمستقبله ؟ كيف سنتحمل معه هذا الابتلاء ؟... عششت الأفكار السوداء في صدري بعض الوقت ، فإذا بي اسمع هاتفاً داخلياً يقول لي : لماذا أرسلناك إذن لزيارة أميرة التي فقدت في حادث قطار مُشابه ساقاً وذراعاً كاملة وكف الذراع الأخرى ؟.. وفيم كان إلهامنا لك علي أن تصمم على إتمام الزيارة رغم المعوقات من جانب مرافقيك ؟!
بعد ذلك الحوار الداخلي قمت مباشرة وصليت ركعتين شكر لله أنه كان لطيفاً بولدي الحبيب ، رحيماً بي ، فماذا يكون ابتلائي في ابني إذا قارنته بابتلاء أميرة الصابرة الباسمة !
لقد شاءت إرادة الله وحكمته أن يكون ابتلاء ابني من بين العوامل التي ساعدته على النجاح في الثانوية العامة ، فقد أحاطه الجميع بعطفهم ورعايتهم ومساعدتهم له قبل الامتحان ، بل وكان ابتلاؤه أيضاً سبباً في دخوله جامعة طنطا ضمن نسبة المعوقين وما كان مجموعه يؤهله لدخول الجامعة ، والآن ولدي الحبيب يعيش حياته راضياً بقضاء الله وقدره ، فالحمد لله على كل حال ، فماذا أريد من ربي جلّت قدرته أكثر من ذلك ؟!.. كيف أشكره على لطفه بولدي الحبيب وبنا وعلى إرادته الإلهية في الوحي لي برؤية أميرة الباسمة الراضية بأقدارها لكي أصبر على ما خفي عليّ من بلاء وأتماسك أمامه .
*تلك هي الحكمة الإلهية وألطافه الربانية التي تخفى علي عقولنا القاصرة ولا تشعر بها إلا النفوس النورانية الشفافة .
لقد تذكرت قول مأثور لنبي الله داوود قاله للقمان الحكيم وهو ( لله الحكمة ولنا الألم ) .. هكذا ينبغي أن نقول كلما واجهنا ما يخفى علينا من وجه الحكمة الإلهية واختبارات الحياة القاسية ومفارقاتها !
فكثير من آلام الإنسان إنما يعود إلي عجزه عن فهم أسرار الحكمة الإلهية وراء بعض تصريف القدر ، وها هو القدر يدبر ويخطط لكي يصّر صاحبنا محسن على زيارة الفتاة المسكينة أميرة ليواسيها في محنتها ويرى بنفسه مقدار صبرها وابتسامة الرضا على وجهها البشوش رغم الجراح والآلام المتعددة ، وعندما يعود الرجل إلى بيته ويجد ما حل بولده من قضاء الله يستمد الصبر والاحتمال من محنة أميرة !
إنها حقاً ملحمة رائعة تجسّد لنا الامتثال لمشيئة الله والحكمة الإلهية في حياة البشر .
أحمد عبد اللطيف النجار
كاتب عربي
ملتقى النور للادب و الشعر
مدير عام المجلة
الأربعاء، 22 مايو 2019
سرديات قصيرة 8 الحكمة الإلهية بقلم أحمد عبد اللطيف النجار
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق